اسماعيل بن محمد القونوي
368
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
اعْبُدُوا وكذا مراده قدس سره ثم المراد بالخوف الخوف من سخطه وعقابه وجه انفهامه من النظم الجليل هو أنه لما كان حصول تلك المرتبة من التقوى وما يترتب عليها من المثوبة الحسنى مرجوا غير مقطوع به كان حصول الخوف من العقاب منفهما من ذلك إذ لو لم يكن ذلك منفهما لكان الثواب المترتب على التقوى مقطوعا به والملازمة وانتفاء اللازم واضحان والقول بأن ذلك غير منفهم وإن المنفهم خوف عدم حصول المرجو وكونه مرادا لا يلائم قوله كقوله تعالى : وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ [ الإسراء : 57 ] الآية من سوء الفهم ) . قوله : ( أو من مفعول خَلَقَكُمْ [ البقرة : 21 ] ) عطف على قوله من الضمير في اعْبُدُوا [ البقرة : 21 ] قوله ( والمعطوف عليه ) وهو الذين من قبلكم عطف على مفعول خَلَقَكُمْ وهذا مختار الزمخشري أخره المصنف لأن فيه إخراج لعل عن حقيقتها بالكلية ولا يصار إليه إلا عند التعذر وما أورد على المصنف في الوجه الذي اختاره قد عرفت دفعه . قوله : ( على معنى أنه خلقكم ومن قبلكم في صورة من يرجى منه التقوى ) أشار به إلى أنه على هذا الوجه لا يمكن حمل لعل على الترجي أما بالنسبة إلى المتكلم لاستحالة الترجي على علام الغيوب وأما بالنسبة إلى المخاطبين لأنهم في ابتداء الخلق لم يكونوا من أهل الرجاء وأما حين العبادة فهم من أهل الرجاء فلذا حمل عليه في ذلك الوجه وأما جعلها حالا مقدرة فلا مساغ له لأن المقدر في ابتداء الخلق التقوى لا رجاؤها كذا قيل لكن قوله لأن القدر في ابتداء الخلق التقوى لا رجاؤها ضعيف لأنه قد عرفت أنهم لم يكونوا من أهل الرجاء فيصح أن يقال إنهم حين الخلق مقدر رجاؤهم لعدم تحقق الرجاء منهم بالفعل وهو شرط الحال المقدرة غاية الأمر أنهم مقدر تقويهم كما قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] وهذا لا ينافي تقدير رجاء التقوى أيضا لكن الشيخين لم يلتفتا إليه لقلة الجدوى بل جنحا إلى الاستعارة التمثيلية ولهذا قال المصنف في صورة من يرجى منه التقوى وهذا اللفظ صريح في الاستعارة التمثيلية قيل فلا وجه لمن جعله حقيقة شبه صورة منتزعة من حال خالقهم بالقياس إليهم بعد أن مكنهم من التقوى وتركها مع رجحانها منهم بحال الراجي والمرجو منهم ورجاؤه إلا أنه ذكر من المشبه به ما هو العمدة فيه وهو كلمة لعل كما مر نظيره في قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ الآية وجه التشبيه أيضا صورة منتزعة وهي كون متعلقهما غير معلوم أن يقع وأن لا قوله : أو عن مفعول خَلَقَكُمْ والمعطوف عليه أي أو حال عنه وعن الذي عطف هو عليه وهو الموصول الثاني أعني وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 21 ] . قوله : على معنى أنه خلقكم ومن قبلكم في صورة من يرجى منه التقوى بيان لوجه استعارة لعل على وجه التمثيل كما قال صاحب المفتاح فشبه حال المكلف الممكن من فعل الطاعة والمعصية بحال المرتجي المتحير بين أن يفعل وأن لا يفعل ثم استعير لجانب الشبه لعل وقرينة الاستعارة علم الذي لا يخفى عليه خافية .